بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة

            الحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رَسُولِهِ الأمينِ الذي أَنْزَلَ إليه القُرآنَ الكريمَ بلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبينٍ، وعلى آلِهِ الطّاهرينَ، وأصحابِهِ المَيامِينَ، وبعد؛

فقد رأيتُ أنَّ تفاسيرَ القُرآنِ الكريمِ المُطَوَّلَةَ على اخْتِلافِ مناهِجِها لا تُقدِّمُ معنى الآيةِ أو الآياتِ من القرآن الكريم باعتمادِ أساليبِ العرب في كلامِهم، بل يَتَشَعَّبُ كلامُ المُفَسِّرينَ وهم يَتَناولُون تفسيرَ آيةٍ أو مَجْمُوعةٍ من آياتِ القرآن في اتّجاهاتٍ كثيرةٍ، ويَحْشُدُونَ في تفاسيرِهِم لبيانِ معنى آيةٍ أو مَجْمُوعةٍ من آياتِ القرآن أحادِيثَ وأقوالاً بعْضُها يُخالِفُ بَعْضاً، ولا يُمَكِّنُونَ مَنْ يُريدُ مَعْرِفَةَ معنى آيةٍ أو مَجْمُوعةٍ من آياتِ القرآن من الوُصولِ إلى المعنى الذي يَكْشِفُ عَنْهُ نَظْمُ كُلِّ آية من آياتهِ الكريمةِ، كما رأيتُ أنّ تفاسيرَ القُرآنِ الكريمِ المُخْتَصَرةَ مِثْلَ تَفْسِيرِ الجلالين (جلال الدّينِ مُحَمّد بن أحمد المحلّي، المتوفّى سنة 864 هـ ، وجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، المتوفّى سنة 911 هـ)، وتَفْسيرِ شُبّر (السيد عبد الله شُبّر، المتوفّى سنة 1242 هـ) لا تُقدّم المعنى الذي يكشفُ عنه نَظْمُ كُلِّ آيةٍ من آياتِ القرآنِ باعتمادِ أساليبِ العرب في كلامِهم .

            ورأيتُ أنَّ أغْلبَ المُفسِّرين يَسْتَعينونَ في تفسيرِ آيةٍ أو آياتٍ من القُرآنِ الكريمِ بالرّواياتِ والأحاديثِ المَرْوِيَّةِ عن رسولِ الله (ص) والصّحابةِ وأئِمّةِ أهلِ البيتِ رضوان االله عليهم جميعاً، فيَجْعَلُونَ معنى الآيةِ أو الآياتِ في أذهانِ المُسلمينِ مُقترناً بالأحاديثِ والرّواياتِ التي يَسْتَعِينونَ بها لبيان معنى آيةٍ أو مَجْمُوعةٍ من آياتِ القرآنِ الكريم، وهذا الاقترانُ بينَ معاني آياتِ القُرآنِ والأحاديثِ والرّواياتِ في أذهانِ المُسلمينَ أدّى إلى ظهورِ فِرَقٍ مُتَشَدِّدةٍ من المُسلمينَ تُكَفِّرُ عُمومَ المُسلمين، وتسْتِحِلُّ قَتْلَهُم وأموالَهُم ونساءَهُم، لأنَّ الأحاديثَ والرّواياتِ التي يَسْتَعينونَ بها تُوحِي لمَنْ يُريدُ معرفةَ معاني آياتِ القِتالِ والبراءَةِ من المُشركينَ والكافرينَ، وآياتِ الجِهادِ وآياتِ الأحكامِ أنَّ القُرآنَ نَزَلَ بالتَّشَدُّدِ في جهادِ المُشركين، ونَزَلَ بتكفيرِ مَنْ لم يُؤَدِّ فريضةً من الفرائضِ التي أمَرَ بها القُرآنُ، وتَكفيرِ مَنْ لم يَحْكُمْ بما أنْزَلَ اللهُ في القُرآنِ، وقد ظَهَرَ بسَبَبِ ذلك جماعةٌ من المُشْتَغِلينَ بالدِّينِ مِمَّنْ ليس عِنْدَهُم عِلْمٌ بأساليبِ العَرَبِ في الكلامِ التي نَزَلَ بها القُرآنُ الكريم إلى الاجتهادِ في ضوءِ ما أوحَتْهُ تلك الأحاديثِ والرّواياتِ في بيان معاني آياتِ القُرآنِ، وخَرَجَتْ منهم فتاوى تُجيزُ قَتْلَ المُشركينَ والكافرينَ في كُلِّ مكانٍ يَجِدُونَهم فيه، وتُجيزُ تكفيرِ مَنْ لم يُؤَدِّ فريضةً من الفرائضِ التي أمَرَ بها القُرآنُ، وتَكفيرِ مَنْ لم يَحْكُمْ بما أنْزَلَ اللهُ في القُرآنِ، وتُجيزُ اسْتِحلالِ قَتْلِهم وأخْذِ أموالِهم واسْتِحلالِ نِسائِهِم، ويَدَّعونَ افْتِراءً على اللهِ أنَّ القُرآنَ نَزَلَ بذلك، ولا سبيلَ للخروجِ من هذا الانحراف عن دِينِ اللهِ السَّويِّ المُعْتَدِلِ إلّا بفهم معاني كتابِ اللهِ العزيزِ كما فَهِمَهُ العربيُّ المُعاصِرُ لنزولِ القُرآنِ الكريمِ .

ولمّا كانَ القرآنُ الكريمُ قد أنْزَلَهُ اللهُ على رسولِهِ الأمينِ مُحَمّدٍ (ص) بلسانِ العَرَبِ وأساليبِهم في الكلامِ فقد كان العربيُّ المُعاصِرُ لنُزُولِ القُرآنِ الكريمِ يفهَمُ الآيةَ أو الآياتِ التي يَتْلُوها عليه الرَّسُولُ مُحَمَّدٌ (ص) كما يَفْهَمُ كلامَ قومِهِ بناءً على معرفتِهِ نظامَ كلامِهم، وأساليبَهم في التّعبير . وقد جَعَلْتُ نفسي – باعتبارِي مُتخَصِّصاً باللُّغةِ العَرَبِيّةِ –  مَوْضِعَ العَرَبيِّ الذي عاصَرَ نزولَ القرآنِ الكريم على الرَّسُولِ الأمينِ مُحَمَّدٍ (ص)، فأقرأُ الآيةَ أو مجموعةَ آياتٍ تُعَبِّرُ عن موضوعٍ، وتَنْتَظِمُ في سياقِهِ، وأُحاوِلُ أنْ أفْهَمَها كما فَهِمَها العَرَبِيُّ الذي سَمِعَها من الرَّسُولِ مُحَمَّدٍ (ص) وهو يتلوها على قومِهِ العَرَبِ، لأنَّ الرَّسُولَ (ص) لم يُؤْثَرْ عنهُ أنّهُ كانَ يُفَسِّرُ آياتِ القُرآنِ التي يَتْلوها على قومِهِ .

ولأجْلِ أنْ أفْهَمَ معنى كُلِّ آيةٍ من آياتِ القرآنِ أقومُ بتَحْلِيلِها وَفْقَ نظامِ ائتلافِ ألفاظِ الجُملةِ في كلامِ العرب،، وأساليبِهم في التعبير، لأنَّ اعتمادَ طريقةِ التَّحليلِ اللُّغَوِيّ لكُلِّ آيةٍ مَطْلُوبٌ في زمانِنا الحاضِرِ بسَبَبِ ابْتِعادِ العَرَبِ في الزّمَنِ الحاضِرِ عن عَصْرِ نُزُولِ القُرآنِ الكريمِ، وعن عَصْرِ مَعْرِفَةِ العَرَبِيِّ نظامَ ائتلافِ ألفاظِ الجُملةِ في كلامِ قومِهِ العَرَبِ، ومعرفَتِهِ أساليبَهم في التعبير .

ولأجْلِ أنْ أُمَكِّنَ مَنْ يُريدُ مَعْرِفَةَ معانِي القُرآنِ من الوُصُولِ إلى المعنى الذي يكشفُ عنه نَظْمُ كُلِّ آيةٍ من آياتِهِ الكريمةِ قُمْتُ – بعدَ التوكّلِ على الله – ببَيانِ معاني آياتِ القرآنِ الكريم بالاعْتِمادِ على تَحْلِيلِها وَفْقَ نظامِ ائْتِلافِ ألفاظِ الجُملةِ في كلامِ العرب، وأساليبِهم في التَّعبيرِ بعيداً عن مَناهِجِ تَفْسِيرِ القُرآنِ بالرواياتِ والأقْوالِ وأسبابِ النُّزُولِ، والقَصَصِ المَرْوِيَّةِ، مُجَرِّداً نَفْسِي من كُلِّ مَذْهَبٍ أو رَأْيٍ سابِقٍ، أو اعْتِقادٍ سابِقٍ، لكي لا يَكونَ المعنى الذي أُحاوِلُ تَقْدِيمَهُ لقارِئِ القُرآنِ مُؤَوَّلاً بما يَتَوافَقُ معَ مَذْهَبٍ، أو رَأْيٍ سابِقٍ، أو اعْتِقادٍ سابِق، ونأيْتُ بنَفْسِي عن كُلِّ روايةٍ أو حَديثٍ استعانَ بِهِ المُفسِّرون في تفاسيرِهم، واعْتَمَدْتُ في بيانِ معاني آياتِ القرآنِ على التّحليلِ اللُّغَوِيِّ فقط، وأسميتُ عَمَلي هذا (بيان معاني القُرآنِ الكريمِ في ضَوْءِ التَّحْليلِ اللُّغُوِيّ)، وغايتي من عَمَلِي هذا فهْمُ معاني كتابِ اللهِ كما فَهِمَها العَرَبِيُّ الذي سَمِعَها من الرَّسُولِ مُحَمَّدٍ (ص) وهو يَتْلُوها على قومِهِ العَرَبِ، ومَنْهَجِي في هذا العَمَلِ أُوَضِّحُهُ بالنّقاطِ التَّالِيَةِ :

1 – اعْتَمَدْتُ على النَّصِّ القُرآنِيّ الموجودِ في المُصْحَفِ الشَّريفِ المُتَداوَلِ بخَطِّ عُثمان طه، والقراءةُ التي اعْتُمِدَتْ في هذا المُصْحَفِ هي القِراءَةُ المُعْتَمَدَةُ عِنْدِي .

2 – تَناوَلْتُ كُلَّ آيةٍ من آياتِ القُرآنِ الكريم بالتّحليلِ اللُّغَوِيّ من جميعِ نَواحِي نصِّها، من ناحيةِ ائْتِلافِ ألفاظِها الذي تأخُذُ  كُلُّ كَلِمَةٍ فيه موضِعَها الإعرابيَّ في نَصِّ الآيةِ حَسبَ ما يَقْتَضِيه المَعْنَى المُرادُ إيصالُهُ، ومن ناحيةِ تقديمِ بعضِ كَلِماتِ نَصِّ الآيةِ، أو بعضِ مقاطِعِهِ من مواضِعِها الأصليّة إلى موضِعٍ آخَرَ حسبَ ما يَقْتَضِيه المعنى المُرادُ إيصالُهُ من تَسْلِيطِ الاهْتِمامِ، أو لَفْتِ الانتباهِ إلى هذهِ الكَلِمَةِ أو ذلك المَقْطَعِ، ومن ناحيةِ حَذْفِ بعضِ كلماتِ الجُملةِ جوازاً أو وجوباً على ما تَقْتَضِيه أساليبُ كلامِ العَرَبِ، أو حذفِ كلامٍ لأجلِ الاختصارِ بِناءً على عِلْمِ المخاطَبِ أو السّامعِ به، ومن ناحيةِ أساليبِ كلامِهم في التَّوْكيدِ، والمَدْحِ والذمِّ والتعَجُّبِ والنِّداءِ، وغيرِها، ومن ناحيةِ الوَصْلِ بين الجمل، وما يُحقّقُهُ من معاني مِثْل إشْراكِ ما قبلَ حرفِ العطف وما بَعْدَهُ في الحُكم الإعرابي، أو الرَّبْط بين الجُمَلِ التي يَجْمَعُها سياقٌ واحدٌ، أو موضوعٌ مُشتركٌ، ومن ناحية الفَصْلِ بين الجُمَلِ، وما يُحقِّقُهُ من المعاني، مِثْل أنْ تكونَ الجملةُ حالاً ممّا قبلها، أوصفةً لما قبلها، أو توكيداً لما قبلها، أو تفسيراً لها، أو بياناً لها أو بدلاً منها، أو تعليلاً لها، ومن ناحيةِ الأساليبِ التي يستعملُها العَرَبُ في تَوْضِيحِ معاني كلامِهم، مِثْل التَّشْبِيهِ بأصنافِهِ، والاسْتِعارَة بأصنافِها، والكِنايةِ بأصْنافِها، والمَجازِ بأصْنافِهِ، ومعاني الاستفهامِ والأمْرِ والنَّهْي والنَّفْي، وهو ما اصطُلِحَ عليه بعُلوم البلاغة التي تشتملُ على علومِ البيانِ والمعاني، ومن ناحيةِ المعنى المُعْجَمي للألفاظ والحُروفِ المَوجودَةِ في النص، وبعد التَّحْليلِ اللُّغَوِيّ للآيةِ من جميع نواحِي نَصِّها يَبْرُزُ معناها الذي يُطابِق نَظْمَها .

3–  إذا اختلفتْ أعاريبُ المُعربينَ في كلمةٍ من نَصِّ الآيةِ، أو جُملةٍ منها فإنّي أعتمدُ الإعرابَ الذي يُوافِقُ التَّحليلَ اللُّغَوِيَّ لنّصِّ الآيةِ وَفقَ أساليبِ العَرَبِ في الكَلامِ، ويُوافِقُ السِّياقَ، وأطرحُ بقِيَّةَ الأعاريبِ، ولا أُلزِمُ نفسي بالأخْذِ بالإعْرابِ المُعْتَمَدِ لدى عُلماءِ النّحْوِ البصريين، أو علماءِ النَّحْوِ الكوفيين، وقد يكونُ لي رأيٌ مُخالفٌ لما ذَكَرَهُ مُعْرِبُو القُرآنِ لآيةٍ أو أكثرِ إذا كان ما ذكروه لا يُوافِقُ التَّحليلَ اللُّغَوِيَّ لنّصِّ الآيةِ وَفقَ أساليبِ العربِ في الكلام، ولا يُوافِقُ السِّياقَ .

4 – لم أعْتَنِ بإعرابِ آياتِ القرآنِ إعراباً مُفَصَّلاً، كما لم أعتنِ بذِكْرِ علاماتِ الإعرابِ الظاهرةِ والمُقدّرَةِ للألفاظِ ، لأنّ الغايةَ من التَّحليلِ اللُّغَوِيّ الذي اعْتَمَدْتُهُ هي الكشْفُ عن مَعْنَى نَصِّ الآيةِ، ولكنْ يُمكنُ أنْ يجدَ طالبُ إعرابِ القُرآنِ بُغْيَتَهُ في الإعرابِ الذي ذكرتُهُ .

5–  وجدتُ أنّ نصَّ القرآنِ الكريمِ نصٌّ مُوجَزٌ غايةَ الإيجازِ، ويعتمدُ إيجازُهُ على حَذْفِ كلمةٍ أو أكثر، أو حَذْفِ جُملةٍ أو أكثر في نصّ الآية، وهذا الإيجاز يُسَمَّى في لغة العرب بـ(إيجاز الحذف)، أو يعتمدُ إيجازُهُ على نَظْمِ الآيةِ في كلماتٍ قليلةٍ تُعبِّرُ عن معانٍ كثيرةٍ، وهذا الإيجازُ يُسَمَّى في لغةِ العَرَبِ بـ(إيجاز القَصْر)، والإيجازُ في آياتِ القرآنِ بنَوعَيْهِ يَعْتَمِدُ على مَعْرِفَةِ المُخاطَبِ أو السّامِعِ العربيِّ نظامَ الإيجازِ في لُغَةِ العَرَبِ المُعْتَمِدَ على مَعْرِفَةِ القرائِنِ الحاليَّةِ التي تَحُفُّ بالكلامِ وَقْتَ قولِهِ، ومنها معرفةُ المُخاطَبِ السابقةُ بالأمْرِ أو الحادثَةِ التي يتحدّثُ عنها المتكلّمُ، فيُوجِزُ المتكلّمُ كلامَهُ بحذفِ كلمةٍ أو أكثر، أو جُمْلةٍ أو أكثر بناءً على عِلْمِهِ أنّ المُخاطَبَ أو السّامِعَ قد عَرَفَ تفاصيلَ الحادثةِ أو الأمْرِ الذي يَتَحَدَّثُ عنه، ومنها كونُ المُتَكَلِّم قد تَحَدَّثَ عن أمْرٍ أو حادِثةٍ في مناسباتٍ مُتعدّدةٍ، فيُوجِزُ المُتُكَلِّمُ كلامَهُ بحَذْفِ كلمةٍ أو أكثر، أو جُمْلَةٍ أو بَعْضِ أجزائِها، أو أكثر من جملةٍ اكتفاءً بما تحَدَّثَ به عن الأمْرِ أو الحادِثَةِ في كلامٍ سابقٍ لَهُ، ومنها القرائِنُ اللَّفْظِيَّةُ التي تُجيزُ للمتكلّم أو توجبُ عليه حَذْفَ كلمةٍ أو جملةٍ، وهو ما اصطُلِحَ عليه بالحَذْفِ الجائز أو الواجب، ومنها قرينةُ السِّياقِ، فيُوجِزُ المتكلّمُ كلامَهُ بحذفِ كلمةٍ أو أكثر، أو جملةٍ أو بعضِ أجزائِها، أو كثر من جملة اكتفاءً بدلالةِ سِياقِ كلامِهِ عليها، والإيجازُ بنَوْعَيْهِ يُعَدُّ عندَ العَرَبِ من أسُسِ كلامِهم المُهِمّة، ويَدُلُّ على فَصاحَةِ المُتكلّم، ولا يُعَدُّ العَرَبِيُّ فصيحاً إذا لم يسلُكْ طريقَ الإيجازِ في كلامِهِ، ويجبُ تقديرُ المحذوفِ لأجْلِ إبْرازِ المَعْنى الكامِلِ لنَصِّ الآيةِ، وقد اجْتَهَدْتُ أنْ يكونَ تقديرُ المَحْذُوفِ بناءً على تِلكَ القرائِنِ .

6–  اعْتَمَدْتُ في بيانِ معاني كلماتِ الآياتِ على المعاجمِ اللُّغويّةِ، وتتبَّعْتُ تطوّرَ معنى الكلمةِ تاريخيّاً من خلالِ ذِكْرِ معانيها في المعاجم اللغويّة، وإذا كانت المعاجِمُ اللُّغَوِيَّةُ قد ذكرتْ للكلمةِ القُرآنيةِ أكْثرَ من معنى فإنّي أنْتَقِي المعنى الذي يُناسِبُ النّظْمَ والسّياقَ، ولم أغفلْ عن ظاهرةِ التّضمين في لُغَةِ العربِ، وتعني : (إيقاعُ لفظٍ موقعَ غيرِهِ، ومُعاملتُهُ مُعاملتَهُ، لتضمُّنِهِ معناهُ، واشتمالِهِ عليه) .

7 – اجتهدتُ في أنْ يكونَ معنى الآيةِ مُطابقاً للتَّحْليلِ اللُّغَوِيّ وفي حُدودِ المعاني التي تَدُلُّ عليها ألفاظُ الآيةِ المذكورةِ في المعاجم، أو المعاني التي تَتَضَمَّنُها بعضُ ألفاظ ِالآية، والمعاني التي يَدُلُّ عليها التَّقْدِيمُ والتّأخيرُ في ألفاظِ الآيةِ، والمعاني التي تَدُلُّ عليها أساليبُ الاسْتِفهامِ والأمْرِ والنّهْي والنِّداءِ والمَدْحِ والذَّمِّ والحَصْرِ والقَصْرِ والاسْتِثْناءِ والتّحذيرِ والإغْراءِ والاختصاصِ والتّشبيهِ والاستعارةِ والمجازِ والكنايةِ، والمعاني التي يُحَقِّقُها البَدَلُ والصِّفَةُ والتّوكيدُ والعَطْفُ، ومعاني (إنّ) وأخواتِها، ومعاني (كان) وأخواتِها، ومعاني أفعالِ المُقارَبَةِ والرَّجاءِ والشُّروعِ، ومعاني أدواتِ الشرط، وحروفِ النّفي والنّهْي، وبقيّةِ حروف المعاني، والمَعْنَى الذي تَدُلُّ عليه الجُملةُ الاسميّةُ، والفِعْلِيّةُ، والمعنى الذي يَدُلُّ عليه الفِعْلُ المُضارعُ والماضي والأمْرُ .

8 – اعْتَمَدْتُ المعنى الذي يُبْرِزُهُ التَّحْليلُ اللُّغَوِيُّ لنَصِّ الآيةِ فقط، ولم أعتنِ بما ذَكَرَهُ المُفسّرون من الاختلافِ في أقوال الأوائل الذين اشتغلوا بتفسيرِ القرآن الكريم مِثْلِ ابنِ عباس وقتادة ومُجاهد وعِكْرِمَة والسُّدّي وغيرهم، كما لم أعتنِ بما ذكروه من الاختلاف في أسباب النزول، ولم أعتنِ أيضاً بالرّوايات والأحاديثِ أو الأقوالِ التي اعتمدَها بعضُ المفسرين في تفسير آيات القرآن الكريم كما ذَكَرْتُ سابقاً .

9 – قَدْ يَدُلُّ المعنى العام للآيةِ في ضَوْءِ التَّحْليلِ اللُّغَوِيّ على أمورٍ أو معانٍ فَرْعِيَّةٍ يَسْتَطِيعُ القارِئُ المُتَدَبِّرُ للمعنى أنْ يَسْتَنْبِطَها منه، وقد وَضَعْتُ ما اسْتَطَعْتُ أنْ أسْتَنْبِطَهُ من المعنى العامّ للآيةِ في ضَوْءِ التَّحليلِ اللُّغَوِيّ بين قَوْسَيْنِ، وباللَّونِ الأحْمَرِ، لتَمْيِيزِهِ عن المعنى العام الذي يُبْرِزُهُ التَّحليلُ اللُّغَوِيُّ لنَصِّ الآيةِ الكريمةِ .

وأدعو الذين يَهْتَمُّونَ بتَرْجَمَةِ معاني القرآن الكريم إلى اللّغات الأخرى أنْ يَعْتَمِدُوا في تَرْجَمَةِ القُرآنِ على المعنى الذي يُبْرِزُه التَّحليلُ اللّغَوِيُّ للآيةِ القُرآنِيَّةِ، وأنا على ثِقَةٍ بأنَّ اعْتِمادَ المَعْنى الذي يُبْرِزُهُ التَّحْليلُ اللُّغَوِيُّ في تَرْجَمَةِ معاني القرآن إلى اللُّغاتِ الأخرى سيُحْدِثُ أثَرَاً طيّباً عِنْدَ قُرّاءِ القُرآنِ الكريمِ من المُسلمينَ غيرِ العَرَبِ، وسَيَفْتَحُ بصائرَ غيرِ المُسلمينَ نَحْوَ الإسلامِ .

            ومن الجَدِيرِ بالذِّكْرِ هنا أنْ أذكُرَ انَّ عَمَلِي هذا ليس تفسيراً للقُرآنِ، إنّما هو (بيانُ معاني القرآنِ الكريم في ضوء التَّحْليلِ اللُّغَوِيّ)، ومن الجَدِيرِ بالذِّكْرِ أيضاً أنْ أرْجُوَ من عُلماءِ المُسلمين المُحترَمين أنْ لا يَفْهَمُوا أنِّي أرْفُضُ ما صَحَّ من الرّواياتِ والأحاديثِ جُمْلَةً وتَفْصِيلاً، ولكنّي أحاوِلُ في هذا العَمَلِ أنْ أصِلَ إلى معانِي القُرآنِ التي يُبْرِزُها التَّحْليلُ اللُّغَوِيُّ لنَصِّ الآياتِ فقط، ولقد بذلتُ غايةَ الجُهدِ في تحليل نَصِّ كُلِّ آيةٍ، وفي إبرازِ معناها في ضَوْءِ التَّحْليلِ اللّغَوِيّ، وأسأل اللهَ تعالى أنْ يَجْعَلَ المَعنَى الذي يُبْرِزُهُ التَّحْليلُ اللّغَوِيُّ لكُلِّ آيةٍ قريباً من المَعْنَى الذي يُريدُهُ اللهُ تَعالَى، وإنْ لم يكُنْ كذلِك فأسألُهُ الثَّوابَ لي جزاءً على بَذْلِي غايةَ جهدِي في هذا الأمْرِ، وهو وَلِيُّ التَّوفيقِ، وهو الغايَةُ .

الأستاذ الدكتور عبد الكريم الزبيدي

لَنْدن في 23 شعْبان 1442 هـ

الموافق الخامس من نيسان/ أبريل 2021 م